الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

136

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معنى ( يصرفونك ) . والذي أوحي إليه هو القرآن . هذا هو الوجه في تفسير الآية بما تعطيه معاني تراكيبها مع ملاحظة ما تقتضيه أدلة عصمة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من أن تتطرق إليه خواطر إجابة المشركين لما يطمعون . وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي ، فمنها ما ليس له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية ، ومنها ما هو ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف . ومرجع ذلك إلى أن المشركين راودوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن لا يسويهم مع من يعدّونهم منحطين عنهم من المؤمنين المستضعفين عندهم مثل : بلال ، وعمار بن ياسر ، وخباب ، وصهيب ، وأنهم وعدوا النبي إن هو فعل ذلك ؛ بأن يجلسوا إليه ويستمعوا القرآن حين لا يكون فيه تنقيص آلهتهم ، وأن رسول اللّه هم بأن يظهر لهم بعض اللين رغبة في إقبالهم على سماع القرآن لعلهم يهتدون ، فيكون المراد من الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ بعض الذي أوحينا إليك ، وهو ما فيه فضل المؤمنين مثل قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية [ الأنعام : 52 ] ، أو ما فيه تنقيص الأصنام . وسمات التخرص وضيق العطن في معنى الآية بحاقّ ألفاظها بادية على جميع هاته الأخبار . وإذ قد ملئت بها كتب التفسير لم يكن بد من تأويل الآية بأمثل ما يناسب تلك الأخبار لئلا تكون فتنة للناظرين فنقول : إن رغبة النبي صلى اللّه عليه وسلّم في اقترابهم من الإسلام وفي تأمين المسلمين ، أجالت في خاطره أن يجيبهم إلى بعض ما دعوه إليه مما يرجع إلى تخفيف الإغلاظ عليهم أو إنظارهم ؛ أو إرضاء بعض أصحابه بالتخلي عن مجلسه حين يحضره صناديد المشركين وهو يعلم أنهم ينتدبون إلى ذلك لمصلحة الدين أو نحو ذلك مما فيه مصلحة لنشر الدين ، وليس فيه فوات شيء على المسلمين ، أي كادوا يصرفونك عن بعض ما أوحيناه إليك مما هو مخالف لما سألوه . فالموصول في قوله : الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ للعهد لما هو معلوم عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم بحسب ما سأله المشركون من مخالفته . فهذه الآية مسوقة مساق المن على النبي بعصمة اللّه إياه من الخطأ في الاجتهاد ، ومساق إظهار ملل المشركين من أمر الدعوة الإسلامية وتخوفهم من عواقبها ، وفي ذلك تثبيت للنبي وللمؤمنين وتأييس للمشركين بأن ذلك لن